
كثيرٌ منا يحرص على بِرِّ والديه وفاءً للتضحيات التي قدماها، ويتساءل البعض: هل يمكننا أن نَبَرَّهما بأموالنا؟ وهل يُحتسب ذلك صدقةً إذا فعلنا؟
الصدقة عملٌ خيريٌ تطوعي، قد يكون طعاماً، أو مالاً، أو تعليم مهارة، أو حتى تبسّمك في وجه أخيك؛ لكن الإسلام يميّز بوضوحٍ بين الصدقة والواجب. فعندما يكون أفراد العائلة، كالوالدين، في حاجةٍ مالية، يصبح دعمهم واجباً شرعياً، وهو أمانةٌ في أعناق الأبناء.
في هذه الحالة، يعتبر الإنفاق المادي على والديك حقاً واجباً، وليس صدقةً تطوعية. ومن عظمة ديننا الحنيف أننا نُؤجر أيضاً على واجباتنا، مع خصوصية التشريع والثواب.
قال النبي ﷺ: "أنت ومالك لأبيك"
وهو ما يفسره العلماء بأن للوالد الحق في استخدام مال ابنه لتلبية احتياجاته الأساسية، وفق ضوابط ومعايير معلومة. وقد أجمع العلماء من مختلف المذاهب الفقهية على أن الابن الراشد مسؤول عن الاحتياجات الأساسية لوالديه اللذين لا يستطيعان إعالة نفسيهما.
1. هل تجوز الزكاة على الوالدين؟
شرع الله الزكاة لإرساء مبدأ التكافل الاجتماعي، يؤديها الغنيُّ من فائض ماله لتصل إلى المحتاجين في المجتمع. لذا، فهي ليست وسيلةً لدعم مَن تجب عليك نفقتهم شرعاً؛ ففي ذلك مخالفةٌ لحكمة الزكاة التي تقتضي التوسع في العطاء خارج نطاق الأسرة. وعليه، إن كان والداك في حاجة، فإن دعمهما واجبٌ عليك من مالك الخاص كحقٍّ من حقوق البرّ، ولا يصحُّ إخراجه من زكاة مالك، ولا يُعدُّ في ميزان الشرع صدقةً تطوعية.
2. ماذا لو لم يكن والداي في حاجةٍ مالية؟
إذا كان والداك في غنىً عن الدعم المادي، فإنَّ ما تقدمه لهما من مالٍ أو هدايا يخرج من دائرة “الواجب” ليدخل في رحاب “البرّ والودّ”. إنَّ هذا العطاء -وإن لم يكن لسدِّ حاجةٍ- يُعدُّ من أعظم أبواب القُربات؛ فهو تعبيرٌ عن الامتنان، ولفتةٌ طيبةٌ تزيدُ من أواصر المحبة. وهو من صميم أعمال “بر الوالدين” التي تشمل الزيارة، والكلمة الطيبة، والخدمة، وإسعادهما بكلِّ سبيلٍ يملأ قلبيهما بالرضا.
3. النية في برّ الوالدين
النيةُ هي روحُ العبادة ومحركها؛ فقد علّمنا النبي ﷺ أنَّ “الأعمال بالنيات”. فإذا كان إنفاقك على والديك لسدِّ احتياجاتهم، فإنَّ نيتك هي أداءُ الواجب وابتغاءُ مرضاة الله؛ وهذا برٌّ جليلٌ تتقرب به إلى الخالق، وإن لم يُصنَّف صدقةً بمفهومها الشرعي التقني. أما إن كنت تبادرُ بعطاءٍ فوق الحاجة وهما في غنىً، بدافعِ الامتنان والمحبة، فإنَّ الله -بفضله- يضاعفُ لك الأجر ويتقبله كصدقةٍ تطوعية. في كلتا الحالتين، يظلُّ صدقُ قلبك ونقاءُ نيتك هما الميزان الذي يُوزن به عملك عند الله.

4. أيُّ نوعٍ من الصدقة يمكنني تقديمه لوالديّ؟
بينما يظلُّ الإنفاقُ الواجبُ واجباً، يفتحُ الله لنا أبواباً للصدقة الجارية التي تُهدي والدينا أجراً لا ينقطع؛ فقد شرع الإسلام لنا سبلاً للبرِّ بهما، منها:
- التبرع لمشاريع الوقف والصدقات الجارية باسمهما: كحفر بئرٍ، أو بناء مدرسة، أو دعم مشروع صحي؛ فهي أصولٌ تجري عليهما حسناتها حتى بعد رحيلهما.
- مشاركة الوالدين في الأجر: اجعل لوالديك نصيباً من كل صدقةٍ تُخرجها، واسأل الله بقلبٍ حاضرٍ أن يتقبلها عنهما.
- نورُ الدعاء والقرآن: اقرأ القرآن، وأكثر من الدعاء لهما، واسأل الله أن يشملهما برحمته ويرفع قدرهما في الدنيا والآخرة.
قد علَّمنا النبيُّ الكريمُ ﷺ أنَّ الصدقةَ الجاريةَ، والعلمَ المنتفعَ به، والولدَ الصالحَ الذي يدعو لوالديه، تستمرُّ في نفعِ الإنسانِ حتى بعد الموتِ. فصدقتُك الجاريةُ ودعواتُك هي الزادُ الباقي لوالديك في هذه الحياة وفي دار البقاء.
فلتجعل برَّك بوالديك واحدةً من أعظمِ عباداتك، في إنفاقك، وسلوكك، ولا تنسَهما من صدقاتك.